
في سبعينيات القرن الماضي، لعب المعهد الساحلي للحمضيات بكَنكوصة (IFAC) دورًا محوريًا في التنمية الزراعية بالمنطقة، خاصة من خلال مكوّن زراعة النخيل التي عرفت آنذاك نهضة حقيقية. فقد شكّل هذا المعهد مركزًا للبحث والتجريب ونقل الخبرات، وأسهم في إدخال تقنيات حديثة حسّنت إنتاج التمور كماً ونوعًا، وجعلت من كنكوصة نقطة إشعاع زراعي معروفة على المستوى الوطني.
وكان لهذه الطفرة أثرٌ مباشر لجهود كابلان (Capplan) وفريقه، إلى جانب كفاءات محلية متميزة عملوا بإخلاص على تطوير الواحات وتنظيم العمل الزراعي وتكوين المزارعين. وقد ساعد هذا التعاون بين الخبرة التقنية والإرادة المحلية على ترسيخ ثقافة النخيل، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية واجتماعية أسهمت في تحسين ظروف العيش وخلق ظروف عمل محلية وتعزيز مكانة كنكوصة.
ومع توسع أنشطة المعهد وازدياد أهميته، تم تشييد مدرج للطائرات لتسهيل التنقل والدعم اللوجستي، وهو ما يعكس المكانة الاستراتيجية التي بلغتها المنطقة في تلك الفترة. ولا يزال هذا الموقع معروفًا اليوم باسم (حي المطار)، شاهدًا على مرحلة مفصلية من تاريخ كنكوصة، حين كان IFAC وزراعة النخيل في قلب مشروع تنموي طموح ترك بصمته الواضحة في ذاكرة المدينة وسكانها. ولقد صدق السيد النائب الموقر الشريف محمد محمود في هاذ الشأن. قبعتي له ولكل المنتخبون الذين يدافعون بصوتي عالي عن دواؤرهم .
في خضمّ النقاش حول الموضوع المذكور و الذي دار داخل قبة البرلمان حول وجود النخيل في كنكوصه واستراد التمور، وما أثارته تصريحات النائب الموقر من تساؤلات وتعاليق على العنكبوتية و سوسيال ميديا، وجد كثير من أبناء المقاطعة أنفسهم مدفوعين لاستحضار الذاكرة الجماعية، لا من باب الجدل العقيم، بل من باب الشهادة للتاريخ والإنصاف للحقيقة.
وبوصفي واحدًا من أبناء كنكوصه، حيث وُلدت وتربّيت وترعرعت، لا أجد حرجًا ولا تردّدًا في تأكيد وتاييد ما صرّح به النائب الموقر الشريف ولد محمد محمود حول تمور كنكوصه ووجود النخيل فيها. فكنكوصه بالنسبة لي ليست مجرد اسم مقاطعة فى ولاية لعصبابة على التقاطع الإداري، بل تفاصيل حياة كاملة عشتها يومًا بيوم، وشكّلت وجداني وانتمائي.
درست في مدرستها رقم (1)، التي كانت المدرسة الوحيدة آنذاك، وتبعدأمتارًا قليلة عن المكان ال الذي نشأت فيه (امبار وكوخ من الطين والعريش)، وهي بقعة أرض أعتزّ بها بكل فخر، فقد تربيت فيها على الشهامة والكبرياء. وليس لديّ أي مركب نقص في استحضار التاريخ بحلوه ومرّه. سكنت فيها مع والدتي، رحمها الله ومع اخوتي ولم أكن يومها ولا من بعد الا وأنا شامخ الراس بفضل التربية والأخلاق التي تربيت عليها. درست القرآن على يد اندحمن و مالك انجاي، صليت صلاة الجمعة وصلاة الأعياد وراء الإمام والشيخ الوقور تيرنو سليمان جلو، سبحت في نهر كنكوصه، وأكلت من نخيلها، و خاصة من نخيل شامخ ولد ربيه، وشربت من مياه آبارها، ، وركضت خلف الكرة في ملعبها، .
، وسمعت صوت صنب لبو وهو ينادي، ذلك الصوت الذي لا يخطئه سمع من عاش في كنكوصه يومًا. حضرت الاجتماعات التي دُعي إليها الأعيان والوجهاء من طرف الحاكم ( اتذكر من بينهم سيدنا ولد المعلوم، دنب سبينك)، وجلست في خيام عيد المرأة في زمن عيش امبارك اسويدات حيث كانت مكلفة بتاطير النساء يومها كان حزب الشعب الموريتاني المرجعية الوحيدة، وشاهدت فنون الصناعة التقليدية على يد الواد أكار ولد احمد بوسيف، وعايشت ليالي الهول والغناء، وأصغيت إلى أصواتها في بيوت وأسر أهل بوب جدو وأهل أعلي، وغيرها من الأسر المعروفة وهي مرجعية تاريخية. اكلت الخبز الساخن المصنوع بايادي مبتكرة لامباي فال وفرقه وممدو اتروار وأبنائه.
كل هذه التفاصيل ليست حنينًا عابرًا، ولا سردًا عاطفيًا، بل شواهد حيّة على واقع اجتماعي وثقافي وبيئي متجذر.
ومن بين تلك الشواهد، النخيل. نعم، كان في كنكوصه نخيل، وكان لها بلح ورطب و تمر، ولم يكن ذلك أمرًا طارئًا أو مستوردًا من الخيال. بل إن بعض الأعيان في تلك الفترات بادروا فعلًا إلى غرس النخيل، إدراكًا منهم لقيمته الزراعية والاقتصادية والرمزية. ومن باب الشهادة لا الحصر، أذكر من بينهم: محمد ولد الشرقي، شامخ ولد ربيه، خطري عبد الفتاح، توب سيدو ممدو، جلو ممدو ، موسى جارا، و مسعود وغيرهم من الآباء والأعيان الذين لا تزال أسماؤهم حاضرة في ذاكرة المكان ولا يمكن نسيانها
وهنا أؤكد بوضوح أن ذكر هذه الأسماء لا يعني بحال من الأحوال التقليل من شأن بقية الأعيان والوجهاء والطيبين من ساكنة كنكوصه البررة، الذين ساهموا، كلٌّ من موقعه، في نموها، وتربية أبنائها وبناتها، وعصرنتها، وترسيخ مكانتها كجسر تواصل وتلاقٍ بين الناس والثقافات.
إن التشكيك في وجود النخيل في كنكوصه لا يمسّ تصريح نائب فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في ذاكرة أجيال كاملة عاشت هناك، وعرفت أرضها وماءها وشجرها. وكنكوصه، بما لها من نهر، وبما عُرفت به من نشاط زراعي متنوع، لم تكن يومًا أرضًا قاحلة منبتة الصلة بالنخيل.
بل إن كنكوصه عرفت المطار في فترة من الفترات، وعرفت الحركة والتجارة والضيوف والوفود، وكل ذلك يؤكد أنها لم تكن هامشًا منسيًا، بل فضاءً حيًا تفاعلت فيه الطبيعة مع الإنسان.
وعليه، فإن ما جاء في لسان النائب الموقر داخل قبة البرلمان لا يمكن عزله عن هذا السياق التاريخي والاجتماعي. ومن حق أبناء كنكوصه، بل من واجبهم، أن يؤكدوا الحقيقة كما عاشوها، لا كما يُراد لها أن تُختزل أو تُنفى.
وفي الختام، أؤكد أنني لست من الذين معروفين بمارسة السياسة، ولا أنتمي إلى أي حلف، ولم ألتقِ يومًا بالنائب الموقر، مع كامل التقدير والاحترام له. ولست ممن يُعرفون بالتطبيل أو التصفيق أو الركض خلف الأشخاص. أحترم الجميع، وأتمنى للجميع النجاح والتوفيق.
كنكوصه ليست حكاية تُروى من بعيد، بل ذاكرة تُعاش، ونخيلها جزء أصيل من تلك الذاكرة. صدقت أيها النائب الموقر. رحم الله كل الوجوه الطيبة التي قادرت هذه الحياة الفانية. يتواصل أن شاء الله
. بقلم على ولد محمد محمود مدير الدراسات والتنمية الشركة الموريتانية للبريد 46472997










