بين الحوار والدستور.. من يحسن إدارة التوازن؟ / محمد ولد عمار

عاد الجدل حول المأموريات الرئاسية في موريتانيا إلى الواجهة في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع الحديث عن الحوار السياسي الوطني، ويفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز في أهميتها مجرد الموقف من مأمورية ثالثة أو تعديل دستوري محتمل. فالقضية الأساسية اليوم ليست فقط: هل هناك من يريد فتح المأموريات؟ وإنما: ما حدود الحوار السياسي عندما يتعلق الأمر بمبادئ دستورية محصنة؟ وهل نحن أمام نقاش سياسي طبيعي، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية من خارج المسار المتفق عليه؟

 

الدستور الموريتاني حدد مأمورية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، كما نص في مادته التاسعة والتسعين على عدم جواز الشروع في أي إجراء لمراجعة الدستور إذا كان من شأنه المساس بمبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة وبالمبدأ الملازم له المتعلق بتحديد مدة ولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وهذه الحماية ليست تفصيلا تقنيا يمكن تجاوزه بمجرد توفر أغلبية سياسية أو توافق ظرفي، وإنما تعكس إرادة المؤسس الدستوري في جعل التداول السلمي على السلطة قاعدة فوق التجاذبات السياسية.

 

ومن هنا ينبغي التفريق بين الحق في التعبير عن موقف سياسي، وبين تحويل ذلك الموقف إلى مسار مؤسسي يستهدف تجاوز نص دستوري محصن. فمن حق أي مواطن أو سياسي أو حزب أن يعبر عن رأيه، وأن يدافع عن رؤيته للنظام السياسي، لكن حرية النقاش لا تعني أن كل ما يمكن طرحه سياسيا يمكن بالضرورة تمريره دستوريا. فالدستور هو الذي يحدد قواعد اللعبة، والحوار الوطني ينبغي أن يتحرك داخل هذه القواعد، لا أن يتحول إلى أداة لإعادة تعريفها وفق موازين القوة والظرف السياسي.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا تعود قضية المأموريات الآن، في الوقت الذي يفترض أن البلاد تستعد لحوار يبحث في قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسسية أوسع بكثير؟ هل هناك رغبة حقيقية في إدخال هذا الملف إلى أجندة الحوار؟ أم أن الأمر مجرد مبادرات وتصريحات من بعض الفاعلين السياسيين؟ وهل نحن أمام محاولة لاختبار رد فعل الشارع والنخب والأحزاب قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى؟

 

لا يمكن الجزم بأن ما يحدث يمثل "انقلابا صامتا" على الحوار، فمثل هذا الوصف يحتاج إلى أدلة ومعطيات واضحة، لكن من المشروع تماما طرح السؤال. فإذا كان الحوار قد بني على قاعدة البحث عن توافقات وطنية وإصلاحات مؤسسية، ثم ظهرت بالتزامن معه دعوات لإعادة فتح موضوع المأموريات، فإن ذلك يمكن أن يربك المشهد ويخلق انطباعا بوجود مسار سياسي مواز لمسار الحوار. وقد يكون الأمر في الواقع مجرد تشويش سياسي، أو محاولة من بعض الأطراف لرفع سقف التفاوض، أو جس نبض المجتمع، أو تعبيرا عن رغبة لدى تيار سياسي يرى أن استمرار الرئيس في السلطة يخدم الاستقرار والمصالح الوطنية. وفي السياسة، لا تكفي النوايا لتفسير الأحداث، بل ينبغي النظر إلى النتائج التي يمكن أن تنتج عنها.

 

المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن يطرح شخص فكرة سياسية، وإنما في أن يتحول طرح سياسي إلى محاولة لتغيير قواعد التداول على السلطة بما يخدم ظرفا سياسيا أو شخصا بعينه. فالدساتير يمكن تعديلها، وهذا أمر طبيعي في الدول الديمقراطية، لكن الفرق كبير بين إصلاح دستوري يستجيب لحاجة مؤسسية حقيقية، وبين تعديل يستهدف إزالة قيد دستوري وضع أصلا لمنع احتكار السلطة وإدامة الحكم. الأول يمكن أن يكون إصلاحا، أما الثاني فقد يتحول إلى سابقة خطيرة تجعل قواعد اللعبة قابلة للتغيير كلما تغيرت موازين القوى.

 

ومن هنا أيضا تبرز مسؤولية المؤسسات. فإذا تحولت المسألة إلى مبادرة دستورية فعلية، فإن التعامل معها ينبغي أن يكون من خلال المؤسسات والآليات القانونية، لا عبر الحملات الشخصية أو التخوين السياسي. الأحزاب مطالبة بتحديد مواقفها بوضوح، والبرلمان مطالب باحترام حدود اختصاصه، والمؤسسات الدستورية مطالبة بتطبيق النصوص التي أقسمت على حمايتها، بينما ينبغي أن يبقى القضاء بعيدا عن التجاذبات السياسية وألا يتحول إلى أداة لمعاقبة الأفكار والمواقف المشروعة. فالمطلوب هو حماية الدستور، لا تجريم الاختلاف.

 

أما الحوار الوطني، فإن قيمته الحقيقية ستقاس بقدرته على معالجة القضايا التي تؤرق المواطن وتؤثر في مستقبل الدولة، لا بقدرته على إنتاج توافقات ظرفية حول الأشخاص. موريتانيا لديها ملفات أكبر وأعمق من موضوع المأموريات: إصلاح التعليم، تحسين الخدمات الصحية، مكافحة الفساد، إصلاح الإدارة، خلق فرص العمل، تعزيز العدالة الاجتماعية، تطوير الاقتصاد، معالجة الاختلالات الاجتماعية، ترسيخ دولة القانون، وتحسين النظام الانتخابي والمؤسساتي. وإذا تحول الحوار إلى ساحة لصراع حول مأمورية الرئيس، فإن ذلك سيأخذ النقاش بعيدا عن هذه الملفات ويعيد إنتاج الاستقطاب الذي يفترض أن الحوار جاء لتجاوزه.

 

وهنا تبرز مسؤولية السلطة نفسها، لأن أي صمت طويل تجاه الدعوات التي تمس قواعد التداول على السلطة قد يفتح الباب أمام التأويلات. فإذا كانت السلطة لا تريد فتح هذا الملف، فإن عليها أن تكون واضحة، لأن الوضوح السياسي في مثل هذه القضايا ليس ضعفا وإنما قوة. وإذا كانت هناك قناعة بأن المأموريات غير مطروحة للنقاش، فإن تأكيد ذلك يمكن أن يغلق الباب أمام التأويلات ويمنح الحوار فرصة للتركيز على القضايا الحقيقية.

 

وفي المقابل، فإن المعارضة والقوى السياسية الأخرى مطالبة أيضا بعدم تحويل كل دعوة إلى مأمورية إضافية إلى معركة سياسية قبل التحقق من مصدرها ومدى جديتها وموقعها من القرار الرسمي. فالمبالغة في رد الفعل قد تمنح الموضوع أكبر من حجمه، وقد تساعد من يريد التشويش على الحوار في تحقيق هدفه. وفي السياسة، أحياناً يكون أفضل رد على المناورة هو عدم الوقوع في فخها.

 

أما السؤال الأهم: من المستفيد مما يحدث؟ فقد تكون السلطة مستفيدة إذا تحول النقاش العام من الأداء الحكومي والاقتصاد والتعليم والخدمات إلى شخص الرئيس ومأموريته، وقد تستفيد المعارضة إذا وجدت في الموضوع فرصة لإعادة التعبئة السياسية، وقد يستفيد بعض الفاعلين الباحثين عن أدوار جديدة في المشهد. لكن المستفيد الأكبر، في نهاية المطاف، قد يكون الاستقطاب نفسه، بينما يكون الخاسر هو الحوار والثقة في المؤسسات.

 

موريتانيا ليست بحاجة اليوم إلى أزمة سياسية جديدة، ولا إلى معركة دستورية جديدة، وإنما إلى بناء تقاليد سياسية تجعل تداول السلطة أمرا طبيعيا لا يهدد استقرار الدولة، وتجعل استمرار المؤسسات أهم من استمرار الأشخاص. فالدولة التي تقوى مؤسساتها لا تخشى رحيل رئيس، والرئيس الذي يترك وراءه مؤسسات قوية لا يحتاج إلى البحث عن ترتيبات استثنائية لضمان استمرار مشروعه.

 

ومن الخطأ أيضا اختزال النقاش في معادلة مؤيد ومعارض. فهناك من قد يؤيد استمرار الرئيس لأنه يرى فيه ضمانة للاستقرار، وهناك من يرفض ذلك لأنه يتمسك بمبدأ التداول. كلا الموقفين يمكن أن يكون سياسيا مشروعا ما دام التعبير عنه يتم داخل القانون، لكن الفاصل الحقيقي هو احترام الدستور. فليس المطلوب تخوين من يطالب بمأمورية ثالثة، ولا تخوين من يرفضها، وإنما المطلوب أن يعرف الجميع أين تنتهي حرية الموقف السياسي وأين تبدأ مسؤولية احترام القواعد الدستورية.

 

في النهاية، الأشخاص يتغيرون، والسلطات تتعاقب، والأحزاب تتبدل، لكن قواعد اللعبة الدستورية ينبغي أن تكون أرسخ من الجميع. وإذا كان ما يجري اليوم مجرد تشويش ولفت للانتباه، فإن أفضل رد عليه هو إنجاح الحوار وإعادة النقاش إلى الملفات التي تهم المواطن. أما إذا كان هناك بالفعل مسار سياسي لإعادة هندسة قواعد التداول على السلطة، فإن المسألة تستحق نقاشا وطنيا هادئا ومسؤولا قبل أن تتحول إلى أزمة.

 

موريتانيا لا تحتاج إلى أن تتفق حول شخص، وإنما تحتاج إلى أن تتفق حول قواعد. ولا تحتاج إلى أن تبحث عن صيغة تضمن بقاء فرد في السلطة، وإنما إلى بناء نظام يضمن استمرار الدولة مهما تغير الأشخاص. فالسؤال الحقيقي ليس من يحكم موريتانيا اليوم أو غدا، وإنما هل أصبحت موريتانيا قادرة على أن تجعل انتقال السلطة قاعدة مؤسسية مستقرة لا تتوقف على رغبة الرئيس ولا على قوة أنصاره ولا على ضعف خصومه؟

 

ذلك هو الاختبار الحقيقي للحوار، وذلك أيضا هو الاختبار الحقيقي للدستور

أربعاء, 19/08/2026 - 17:01

آخر الأخبار

*بسم الله الرحمن الرحيم*

 

*مؤسسة المعارضة الديمقراطية الموريتانية*

 

عاد الجدل حول المأموريات الرئاسية في موريتانيا إلى الواجهة في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع الحد

لم تكن فراغات الحضور في خيمة نشاط حزب الإنصاف الذي احتضنه - صدفة أو عن سبق إصرار - ميدان الرماية

نظم حلف العدالة و المساواة بمقاطعة كنكوصه، مساء أمس الثلاثاء، مسيرة بالسيارات للمشاركة في لقاء أط

تبدو ولاية لعصابه اليوم وكأنها تتعرض لعقوبات جماعية بالغة القساوة؛ فعلى الرغم من أن رئيس الجمهوري

انطلقت اليوم الثلاثاء مسابقة لاكتتاب 390 موظفا لصالح عدد من الوزارات، وذلك في إطار المسابقة الكبر

يعتزم الجيش الوطني إجراء رمايات تدريبية بالمدرعات في منطقة الطويلة وشمالها، بالقرب من محور نواكشو

توفي 9 أشخاص وأصيب نحو 50 آخرون بجروح مختلفة جراء حوادث سير وقعت الأسبوع الماضي في عدة محاور طرقي