
يشكّل الحوار الوطني المرتقب فرصة تاريخية لإعادة النظر في الكثير من القضايا التي تمس حاضر الوطن ومستقبله، ومن أهمها مراجعة المنظومة القانونية بما يحقق مزيدًا من الوضوح والانسجام ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
لقد شهدت الساحة الوطنية، خلال السنوات الأخيرة، جدلًا واسعًا حول بعض النصوص القانونية والدستورية، كما حدث بشأن المادة (38)، ثم المادة (93)، وما يثار اليوم حول وضعية النواب وغيرها من المسائل التي أصبحت محل تفسيرات واجتهادات متباينة. ومهما كانت وجاهة تلك الاجتهادات، فإن استمرار الغموض في النصوص يفتح الباب أمام التأويل ويؤثر في فهم الرأي العام للأحكام والقرارات.
ومن هنا، فإن أول ما ينبغي أن يتصدّر جدول أعمال الحوار الوطني هو "مراجعة النصوص" التي أثبت التطبيق العملي أنها تحتاج إلى مزيد من الدقة والوضوح، حتى تصبح القوانين أكثر قابلية للفهم، وأبعد عن التضارب في التفسير. فالتشريع الجيّد هو أول ضمانة لتحقيق العدالة، والعدالة هي الركيزة الأساسية للأمن والاستقرار وترسيخ دولة القانون.
وفي المقابل، ينبغي أن نميّز بين التاريخ بما حمله من ممارسات وظروف عاشتها مختلف شعوب العالم، وبين واقع الدولة الحديثة التي تقوم على الدستور، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية. فاستحضار التاريخ يجب أن يكون للعبرة واستخلاص الدروس، لا لإحياء الخصومات أو تكريس الانقسامات.
لا خلاف في أن هذه الأرض، شأنها شأن كثير من بقاع العالم، عرفت في مراحل من تاريخها العبودية والتراتبية الاجتماعية وغيرهما من صوّر الظلم البشع التي رفضها الإسلام قبل أن ترفضها المواثيق والقوانين الحديثة. غير أن مسؤوليتنا اليوم تقتضي أن لا نبقى أسرى لذلك الماضي، وأن لا نسمح بتحويله إلى وسيلة لإثارة الأحقاد أو إعادة إنتاج الانقسامات داخل المجتمع، خاصة عبر استخدام الألفاظ الجارحة والمصطلحات التي تمس كرامة الإنسان.
إن المجتمع الموريتاني، بمختلف مكوناته، مجتمع متماسك في عمقه، تجمعه عقيدة الإسلام وقيمه القائمة على العدل، والرحمة، والإخاء، والتسامح، وهي قيّم كفيلة بتجاوز رواسب الماضي وبناء مستقبل يتسّع للجميع..
ومن يتابع خطابات المهتمين بالشأن العام يلحظ أن الغالبية تستحضر هذا البعد الوطني الجامع، وإن صدرت من بعضهم عبارات غير موفقة، فإن المبادرة إلى تصحيحها والاعتذار عنها تظل سلوكًا محمودًا. أما الإصرار على خطاب الكراهية أو التمييز أو الانتقاص من الآخرين، فلا يخدم إلا الفرقة، ولا ينسجم مع أخلاق مجتمعنا ولا مع متطلبات بناء دولة حديثة و في النهاية فإن الخطاب يقاس عادة على صاحبه وهو من أمثال الموروث التاريخي عند شعبنا الفاضل.
إن نجاح الحوار الوطني لن يُقاس فقط بما يصدر عنه من توصيات، وإنما بقدرته على بناء توافقات راسخة، وإصلاح النصوص التي أثبت الواقع الحاجة إلى مراجعتها، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون، واحترام المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية بعيدًا عن كل ما يفرق ولا يجمع وأن نكون صارمين في كل ما يعزز تلك الوحدة و اللّحمة.
والله ولي التوفيق.
إدوم عبدي اجيد










