مهندس تحرير المجتمع الموريتاني من إرث العبودية/ محمد الحافظ الغابد

 

غيب الموت اليوم مصباحاَ من مصابيح مقاومة الظلم والطغيان في موريتانيا؛ رجلًا أسّس بجهده وإصراره لحقبة جديدة من الانعتاق والتحرر، وأسهم في جعل موريتانيا منطلقاَ لنقاش واسع حول قضية الرق ومآلاتها الاجتماعية والسياسية. 

 

إنه بوبكر ولد مسعود، المهندس والمناضل الحقوقي الذي عاش رحلة استثنائية بدأت من قاع المعاناة وانتهت إلى موقع بارز في الدفاع عن الكرامة الإنسانية.

 

انطلق في شبابه مناضلًا يساريًا متأثرًا بأدبيات التحرر العالمية، لكنه في مسار حياته الطويل انتهى إلى رجل متدين رأى في الإسلام منجمًا أصيلًا للتحرر الحقيقي للإنسان وصون كرامته.

 

وُلد بوبكر ولد مسعود عام 1945 في ظروف قاسية تلخص جانبًا من تاريخ المجتمع الموريتاني وصعوبات حياته، لم يعرف يوم ميلاده على وجه الدقة؛ فقد ولد كثير من الموريتانيين تحت شجرة أو خباء وكان ميلاده بمنطقة تويكندي قرب مدينة روصو عاصمة ولاية أترارزة.

 

 نشأ يتيمًا بعد أن فقد والدته في حادثة مأساوية خلال انتشار وباء في المنطقة، إذ عُزلت مع السيدة المريضة لخدمتها وفق العادات السائدة آنذاك، فماتت الأم وتركته صغيرًا يواجه مصيره في بيئة يغلب عليها نظام اجتماعي قاسٍ جدا.

 

تربى بوبكر مع أخواله على الضفة اليمنى لنهر السنغال، حيث عمل منذ طفولته في رعي الغنم والقيام بالأعمال المنزلية لأسياد أسرته. كانت تلك التجربة المبكرة مع العبودية محفورة في ذاكرته، وقد ظل يذكرها لاحقًا بوصفها اللحظة التي تشكل فيها وعيه الأول بمعنى الظلم الاجتماعي. فالأبناء الذين يولدون وسط الأرقاء السابقين كانوا يُعاملون تلقائيًا بوصفهم جزءًا من منظومة الاسترقاق الاجتماعي المتوارث.

 

غير أن القدر فتح أمامه بابًا لم يكن في الحسبان. ففي أحد الأيام، وبينما كان عائدًا من الحقول إلى المدينة يحمل بطيخة فوق رأسه، مرّ بجانب مدرسة كانت تستقبل التلاميذ الجدد... جذب المشهد فضوله فتوقف، وهناك التقى بمدير المدرسة الفرنسي الذي قرر تسجيله في القسم الابتدائي بعد أن رآه يبكي حين رفض أحد أولياء الأمور تسجيله. كانت تلك اللحظة نقطة التحول الكبرى في حياة الطفل الذي انتقل من حياة العمل القاسي إلى عالم التعليم.

 

في القسم الداخلي للمدرسة شعر لأول مرة بنوع من الأمان .. فقد كان يُشاع في تلك الفترة أن بعض الأسياد يبيعون العبيد لقبائل في الشمال بحجة أنهم "سُرقوا". ومع مرور السنوات أثبت بوبكر تفوقه الدراسي، وحصل عام 1964 على شهادة الدروس الإعدادية في وقت كانت موريتانيا فيه دولة فتية خرجت حديثًا من الاستعمار الفرنسي وتحتاج إلى كوادر متعلمة لبناء مؤسساتها.

 

أُرسل بعد ذلك إلى مدرسة المهندسين في باماكو عاصمة مالي، قبل أن يحصل على منحة للدراسة في الاتحاد السوفياتي حيث تخصص في الهندسة المعمارية. أمضى هناك سبع سنوات، وهناك أيضًا بدأت تتبلور رؤيته الفكرية والسياسية، إذ تأثر بأفكار التحرر والمساواة التي كانت رائجة في أوساط الطلبة آنذاك. وخلال تلك المرحلة لم يتردد في إثارة قضية الرق في موريتانيا داخل النقاشات الطلابية، الأمر الذي عرضه لضغوط دبلوماسية كادت تؤدي إلى طرده من الدراسة.

 

عاد بوبكر إلى موريتانيا عام 1974 مهندسًا معماريًا، وعمل في شركة للبناء تابعة للدولة. ومن بين أبرز إنجازاته المهنية مشاركته في تصميم المخطط العمراني لحي (سوكوجيم) في نواكشوط، وهو الحي الذي أصبح لاحقًا من أبرز أحياء العاصمة.

 

لكن اهتمامه لم يقتصر على العمل الهندسي؛ فقد ظل شغله الشاغل هو قضية العبودية التي خبرها بنفسه. ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي انخرط في العمل السياسي والحقوقي، فأسس مع مجموعة من المثقفين من فئة الحراطين حركة (الحر) التي هدفت إلى الدفاع عن حقوق العبيد المحررين ومناهضة الاسترقاق. وكان من بين شركائه في هذا المسار السياسي مسعود ولد بلخير وعدد من النشطاء الذين أصبحوا لاحقًا شخصيات بارزة في الحياة السياسية الموريتانية.

 

لم يكن الطريق سهلًا. فقد اصطدمت الحركة بالنظام العسكري الذي حكم البلاد بعد الإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه. وفي عام 1979 اعتُقل بوبكر مع رفاقه وأحيلوا إلى محكمة عسكرية في روصو. لكن الضغط الذي أحدثته الحركة ساهم في صدور قانون عام 1981 الذي نص رسميًا على إلغاء الرق في موريتانيا.

 

ورغم توليه لاحقًا عدة مناصب في الإدارة الحكومية، من بينها مستشار فني لوزارة الإسكان ومدير عام لشركة (سوكوجيم)، فإنه لم يتخل عن نشاطه الحقوقي. ظل يكتب وينظم ويشارك في حملات توعية حول مخاطر استمرار العبودية الاجتماعية في بعض المناطق.

 

وفي عام 1995 أسس أهم مشروع في مسيرته الحقوقية: جمعية: "نجدة العبيد". جاءت الفكرة بعد مشاركته في جلسات للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في جنيف، حيث أدرك أهمية العمل المنظم للمجتمع المدني. هدفت الجمعية إلى الدفاع عن ضحايا الرق ومتابعة قضاياهم وكشف الانتهاكات المرتبطة بهم.

 

أثارت أنشطة الجمعية جدلًا واسعًا في البلاد. فبينما رأى فيه أنصاره رمزًا للنضال من أجل الكرامة الإنسانية، اتهمه خصومه بتشويه صورة موريتانيا في الخارج. وقد تعرض بوبكر عدة مرات للاعتقال والمحاكمة بسبب مواقفه وتصريحاته حول استمرار مظاهر العبودية في بعض المناطق.

 

ومع مرور الزمن تطورت تجربته الفكرية والروحية. فبعد سنوات من التأثر بالأفكار اليسارية، اتجه تدريجيًا نحو التدين والالتزام الديني، وأدى فريضة الحج، وأصبح يرى في تعاليم الإسلام أساسًا متينًا لتحرير الإنسان من كل أشكال الاستعباد. وكان يقول إن القيم الإسلامية في العدل والمساواة قادرة، إذا طُبقت بصدق، على القضاء على كل أشكال الظلم الاجتماعي.

 

ترك بوبكر ولد مسعود أثرًا واضحًا في النقاش الوطني حول قضايا الحرية والكرامة. فقد ساهم في نقل قضية الرق من دائرة الصمت الاجتماعي إلى فضاء النقاش العام، وأجبر المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني على التعامل معها بجدية أكبر.

 

وعلى المستوى الشخصي عاش الرجل قصة صعود اجتماعي لافتة؛ فالأطفال الذين رباهم في حي تفرغ زينة بنواكشوط نشأوا في بيئة مختلفة تمامًا عن تلك التي عاشها في طفولته القاسية. وكان يرى في نجاحهم الدراسي والاجتماعي نوعًا من الانتصار الرمزي على الماضي الذي حاول أن يقيده.

 

اليوم، بعد رحيله، يظل بوبكر ولد مسعود واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للإهتمام لخصوبة تجربته، وغناها بمعاني الإلهام لتحرير وطن عاش قرونا وهو يرسف في التخلف والحرمان من حق المساواة وتكافؤ الفرص بين أبنائه، وسيبقى رمزا من رموز النضال الحقوقي في ذاكرة الأجيال. فقد خرج من قلب المعاناة ليصبح صوتًا للضعفاء والمهمشين، وكرّس عمره للدفاع عن فكرة بسيطة لكنها عظيمة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .. مقولة تاريخية شهيرة قالها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص وابنه بعد حادثة اعتداء ابن العاص على رجل قبطي من السكان المحليين بمصر أوان الفتح الإسلامي. تعتبر هذه الكلمة إعلاناً إسلامياً مبكراً لحقوق الإنسان والحرية، وتعد من ركائز العدالة التي سبقت المواثيق الدولية الحديثة.

 

وعند التدقيق في المادة الأولى من الإعلان العالمي نجدها كما لو كانت ترجمة لها: (يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء). 

 

رحم الله المناضل الحقوقي بوبكر ولد مسعود وأدخله فسيج جناته، وخالص العزاء لأصدقائه ومحبيه والعارفين به فقد كان صاحب صدق وطني يريد لموريتانيا ان تنهض من كبواتها على أسس العدالة والحقوق لجميع فئات مجتمعها في ظل الأمن والإستقرار والنماء.

 

بقلم: محمد الحافظ الغابد

جمعة, 13/03/2026 - 14:32

آخر الأخبار

تتراوح أوقات الإفطار اليوم الجمعة الـ23من أيام شهر رمضان المبارك 1447 هجرية، في عواصم الولايات ال

أشرفت السيدة الأولى الدكتورة مريم محمد فاضل الداه، مساء الخميس، من ملعب ملعب شيخا بيديه، على افتت

عقدت م وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، الدكتورة هدى باباه، صباح اليوم الجمعة 13 مارس 2026،

قال الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، إن ما يشهده العالم والمنطقة من تحولات وتحديات يستد

استقبل الوزير الأول، المختار ولد اجاي، صباح اليوم الجمعة بمكتبه في الوزارة الأولى، سعادة السفير ا

أجرت وزارة التجهيز والنقل تغييرات إدارية شملت عددا من المناصب في مديرية الخدمات الفنية، وذلك في إ

سلمت أحزاب الأغلبية الحاكمة مساء أمس الخميس ردها على وثيقة الحوار الوطني للمنسق موسى افال.

نعت وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، هدى باباه، مُديرين في التعليم العمومي بولاية كوركل جنوب