
يأتي استدعاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لشخصية معارضة مثل صمب شام - إن صح الخبر - في توقيت بالغ الحساسية، قبيل انطلاق الحوار السياسي المرتقب، ليحمل دلالات تتجاوز حدود اللقاء البروتوكولي إلى رسائل سياسية عميقة موجهة إلى الداخل بمختلف مكوناته. فاللحظة السياسية الراهنة ليست لحظة عادية؛ إنها لحظة إعادة ترتيب أوراق، ومحاولة ترميم ثقة مهزوزة بين السلطة والمعارضة، وبحث عن مخارج هادئة لمرحلة تتسم بتعقيد التحديات وتداخل الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
استدعاء صمب شام، وهو فاعل سياسي ينتمي إلى طيف معارض غير تقليدي وغير مهيمن برلمانيا، يوحي بأن السلطة تسعى إلى كسر الصورة النمطية للحوار القائم فقط بين “الكبار”، وإلى توجيه إشارة مفادها أن الحوار هذه المرة يراد له أن يكون أوسع تمثيلا وأقل إقصاء "حوارا لا يستثني أحدا". في هذا السلوك يمكن قراءة محاولة استباقية لنزع فتيل التشكيك الذي غالبًا ما يرافق الدعوات إلى الحوار في التجربة السياسية الموريتانية، حيث يُنظر إلى مثل هذه المبادرات بعين الريبة، ويخشى أن تكون مجرد آلية لامتصاص التوتر لا لإنتاج حلول حقيقية.
كما أن اختيار التوقيت، قبل انطلاق الحوار لا أثناءه، يعكس إدراكا من الرئيس بأن معضلة الحوار ليست في انعقاده فقط، بل في شروطه النفسية والسياسية، وفي بناء مناخ أولي من الطمأنينة يسمح للأطراف بالدخول إلى الطاولة دون شعور بأن النتائج محسومة سلفا. اللقاءات التمهيدية من هذا النوع تحمل في طياتها محاولة لجس النبض، والاستماع إلى الهواجس، وربما تقديم تعهدات غير مكتوبة، لكنها ذات أثر سياسي بالغ، خصوصا في سياق سياسي يقوم جزء كبير من توازنه على الإشارات والرسائل أكثر مما يقوم على النصوص المعلنة.
التوجه الذي يلوح في الأفق من خلال هذا السلوك الرئاسي هو توجه يميل إلى إدارة الخلاف بدل كسره، وإلى الاحتواء بدل الإقصاء. فالرئيس الغزواني، منذ وصوله إلى السلطة، حرص على تقديم نفسه باعتباره رجل توازنات لا رجل صدامات، وهو اليوم، في مستهل مأمورية جديدة، يبدو معنيًا بتأمين حد أدنى من الاستقرار السياسي يسمح له بمواجهة الملفات الكبرى، من إصلاحات داخلية إلى تحديات إقليمية متسارعة في محيط الساحل المضطرب. ومن هذا المنظور، يصبح الحوار السياسي ليس ترفا سياسيا، بل أداة من أدوات الحكم، ووسيلة لتقليل كلفة التوتر السياسي والاجتماعي.
أما الضمانات التي يضعها الرئيس على الطاولة، فهي وإن لم تصَغ كلها في شكل نصوص أو قرارات رسمية حتى الآن، إلا أنها تستشف من طبيعة المقاربة المعتمدة. أول هذه الضمانات هو توسيع دائرة المشمولين بالحوار، وعدم حصره في الأحزاب الممثلة في البرلمان أو القوى التقليدية، بما يبعث برسالة مفادها أن الشرعية السياسية لا تختزل فقط في الأرقام الانتخابية، بل تشمل أيضًا الحضور الرمزي والقدرة على التعبير عن شرائح اجتماعية مهمشة أو غير ممثلة بما يكفي. وثانيها هو القبول الضمني بأن مواضيع الحوار لا ينبغي أن تكون مؤطرة سلفا بسقوف منخفضة، وأن القضايا الخلافية، مهما كانت حساسة، يمكن طرحها للنقاش بدل دفعها إلى الهامش حيث تتحول إلى بؤر توتر صامتة.
غير أن هذه الضمانات، مهما بدت مطمئنة في ظاهرها، تبقى رهينة بالمسار الذي سيسلكه الحوار لاحقا، وبمدى استعداد السلطة لترجمة النوايا إلى مخرجات ملموسة. فالتجارب السابقة علمت الفاعلين السياسيين أن الإشكال لا يكمن في إطلاق الحوارات، بل في ما بعد الحوار: هل تتحول التوصيات إلى سياسات؟ وهل تُحترم التوافقات أم تُستثمر ظرفيا ثم تهمل؟ هنا تحديدا تتحدد المآلات، ويتوقف الحكم النهائي على جدية المبادرة.
في الأفق القريب، يمكن تصور أكثر من سيناريو. سيناريو إيجابي يتجه فيه الحوار إلى إنتاج تفاهمات معقولة، لا تُرضي الجميع بالكامل، لكنها تؤسس لمرحلة من التهدئة السياسية وتفتح الباب أمام إصلاحات تدريجية تعزز الثقة في المسار الديمقراطي. وسيناريو أقل تفاؤلا، تتحول فيه طاولة الحوار إلى فضاء لتفريغ المواقف دون قدرة حقيقية على الربط بينها، ما يعيد إنتاج حالة الشك ويعمق الفجوة بين الخطاب والممارسة. وبين هذين السيناريوهين، يبقى عامل الإرادة السياسية هو الحاسم.
في المحصلة، فإن استدعاء صمب شام قبل انطلاق الحوار ليس تفصيلا عابرا، بل هو مؤشر على طريقة تفكير السلطة في إدارة المرحلة المقبلة. إنه تعبير عن رغبة في إشراك أوسع، وضبط إيقاع الخلاف، وبناء شرعية توافقية موازية للشرعية الانتخابية. لكن هذه الرغبة، لكي تتحول إلى مسار ناجح، تحتاج إلى ما هو أكثر من الإشارات الرمزية: تحتاج إلى قرارات شجاعة، وإلى استعداد حقيقي لتحمل كلفة التوافق، لأن الحوار، إذا لم يكن بوابة لتغيير ملموس، سرعان ما يفقد معناه ويتحول إلى مجرد محطة أخرى في تاريخ سياسي مثقل بالوعود المؤجلة.










