
في مدينةٍ واحدة، تحت سماءٍ لا تعرف الرحمة، تكتب الرمال حكايات الموت مرتين. مرة حين تسقط الطائرات من عليائها، ومرة حين تسقط الطفولة بين يدي القدر. **تجكجة**، المدينة التي لم تتعافَ من دوي انفجار **رحلة 625** قبل ثلاثين عاماً، تستيقظ اليوم على دموع جديدة.. دموع **النينه**، الطفلة التي رحلت على متن طائرةٍ كان يفترض أن تنقلها إلى الحياة، لا إلى الموت.
الطائرة التي لم تصل
في الأول من يوليو 1994، ارتفعت صرخات **تجكجة** حين تحطمت **رحلة موريتانيا 625** بمن فيها. ثمانون روحاً التهمتها النيران في لحظة، بعد أن مزقتهم العاصفة الرملية بلا رحمة. بقايا أمتعة متناثرة، صور عائلية محترقة، أحلامٌ لم تكتمل.. كلها اختلطت بدخانٍ أسود حلّق فوق المدينة كعلامة حداد.
اليوم، لا يزال الأحياء يتذكرون ذلك اليوم الأسود. يتذكرون كيف تحول المطار إلى مقبرة جماعية، وكيف صارت الطائرات كوابيسَ لهم بدل أن تكون وسيلةَ أمان.
الطائرة التي لم تنقذ
وبعد ثلاثة عقود من المأساة الأولى، عادت **تجكجة** لتودع طفلتها **النينه**بنفس الطريقة الجارحة. طلقةٌ طائشة من بندقية شقيقها الصغير اخترقت وجهها البريء، لتحول حياتها إلى معاناة. نُقلت على متن طائرة إسعاف إلى العاصمة **نواكشوط**، لكن الأمل خانها في اللحظة الأخيرة.
النينه.. لم تكن مجرد ضحية حادث، بل كانت ضحية إهمالٍ متكرر. ضحية لمجتمعٍ يترك السلاح بين أيدي الأطفال، ولمستشفياتٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الإنقاذ.
لماذا تتكرر المآسي؟
لأن بعض المدن لا تتعلم من ماضيها. **تجكجة**، التي عانت من أسوأ كارثة جوية في تاريخ موريتانيا، عادت اليوم لتخسر طفلتها في حادثٍ كان يمكن تجنبه. المدينة التي ينبغي أن تكون أكثر وعياً بمخاطر السماء والأسلحة، تدفع ثمناً باهظاً مرة أخرى.
اليوم، بينما تحتضن الأرض رفات **النينه**، وتحتضن الذاكرة ضحايا **رحلة 625**، تبقى **تجكجة** مدينةً تبحث عن إجابات. مدينةٌ ترفع عينيها إلى السماء كل يومٍ لتسأل:
*"لماذا ندفع دائماً ثمن أخطاء لم نرتكبها؟"*
وكأن السماء لا تغفر