
يعد التحفيز أمراً مهماً لدى المؤسسات بهدف الحفاظ على العاملين لديها، وبلغ من الأهمية بمكان حتى أصبح محط أنظار العديد من الباحثين والدارسين على حد سواء ووُضعت نظريات وأفكار منذ سبعينيات القرن 20 لمحاولة فهم الطرق الأكثر فاعلية لكسب ولاء الموظفين بهدف بقائهم في المؤسسة العاملين بها. سنحاول في هذه الأسطر معرفة الطرق الأكثر فاعلية التي تستخدمها المؤسسات الكبرى في تحفيز موظفيها كما سنحاول الوقوف على النظريات الأكثر في هذا المجال والتي استطاعت أن تحدث تأثيراً كبيراً في عالم المؤسسات الدولية.
كثيراً ما تدهشنا الاختراعات والابتكارات المقدمة من طرف المؤسسات العالمية كشركة آبل وسامسونج وجوجل وغيرها من المؤسسات العالمية العملاقة، لكننا لا نتساءل في الوقت ذاته عن الجانب الأكثر غموضاً في هذه المؤسسات بقدر ما نتساءل عن منتجاتها والتي جاءت بفضل العاملين بها.
تركز هذه المؤسسات بشكل كبير على الموظفين داخلها وتحاول فهم وتفسير حاجياتهم الأساسية بهدف تعزيز نشاطها التجاري، لذلك تتخذ هذه المؤسسات طرقاً مختلفة لتحفيز الموظفين.
نظريات الحاجة Need-Based
تعد النظريات القائمة على الحاجة من أبرز النظريات التي تستخدمها المؤسسات للحفاظ على موظفيها وهي نظريات قائمة على أن تلبية رغبات الإنسان يمكن أن تكون دافعاً للحفاظ عليه وتشجيعه ومن بين أهم هذه النظريات أي (نظريات الحاجة)
تسلسل ماسلو الهرمي للحاجات Maslow's Hierarchy of Needs
يرى "ماسلو" وهو عالم من علماء النفس، يرى أن هناك احتياجات مختلفة للأشخاص يمكن للشركات والمؤسسات فهمها من أجل تحفيز الموظفين بشكل أفضل لكسب ولائهم الوظيفي وتحسين مستوى رضاهم وبحسب "ماسلو" فإن هذه الحاجيات هي:
■ الحاجات الفسيولوجية Physiological وتشمل الحاجات الفسيولوجية مثل (الغذاء اللباس)
■ الحاجة إلى السلامة Safety وتعني هذه (سلامة الوظيفة) بمعنى أن الموظف لا يخشى فقدان وظيفته.
■ الحاجات الاجتماعية Love/belonging وتعني هذه اهتمام المؤسسة بحالة الموظف من الناحية الاجتماعية (الأسرة، الأصدقاء.).
■ احترام الذات Esteem كالاعتراف بنجاحات الموظف وتقديره كما تشمل مكانة الموظف والجوائز التي يحصل عليها.
■ تحقيق الذات Self-actualization على الرغم من صعوبة تحقيق هذا الهدف أو كونه هدفاً مؤقتاً لا يستمر يعد عاملاً من عوامل الحاجة، حيث يرغب الإنسان دائماً في تحقيق هدفه الأكبر والأشمل والذي يعد آخر مرحلة من مراحل طموحه التي يود تحقيقها، وهذه الحالة دائماً مؤقتة لأن الإنسان كلما حقق هدفاً ينتقل إلى هدف آخر.
وتعد هذه المراحل مراحل تدريجية بمعنى أن لم يتمكن الموظف من تحقيق الحاجة الأولى مثلاً (الغذاء) فلن يحاول الحصول على الحاجة التي فوقها (أمن الوظيفة) وبالتالي يبقى عالقاً في المرحلة الأولى. وبتحقيقه لهذه المرحلة يحاول الموظف تحقيق المرحلة التي بعدها وهكذا يواصل..
نظرية إرج ERG
وتعد هذه النظرية مجرد تطوير لهرم ماسلو للحاجات وهي من تطوير عالم النفس الأمريكي "كلايتون ألديرفر" ويرى "كلايتون" أن هناك ثلاث مجموعات من الاحتياجات الأساسية هي:
الوجود Existence وتشمل هذه الحاجة الحاجة الأولى والثانية من نظرية ماسلو (الغذاء، المأوى، والسلامة)
الترابط Relatedness وتعني هذه الحاجة ما ذكره ماسلو في نظرية الحاجات الاجتماعية (علاقة الفرد الأسرية)
النمو Growth وهذه تعني ما ذكره ماسلو في الحاجة الأخيرة وقبل الأخيرة (تحقيق الذات واحترام الذات)
وتختلف هذه النظرية عن ماسلو كون الأولى ترى أن الإنسان لا يستطيع البحث عن مرحلة قبل أن يحقق المرحلة التي قبلها بمعنى أن الموظف لن يهتم بسلامة وظيفته ما لم يحقق الحاجة الأولى (الغذاء). بينما ترى نظرية ERG أن فشل الموظف في تحقيق مرحلة ما يجعله يكثف جهوده من أجل تحقيق المرحلة ذي صلة بدل البقاء في المرحلة التي فشل في تحقيقها.
نظرية الحاجات المكتسبة Acquired-Needs Theory
تنظر هذه النظرية إلى الموظفين من ثلاث زوايا مختلفة هي الإنجاز والانتماء والسلطة أو القوة.
الإنجاز Achievement: يرى "ديفيد ماكليلاند" صاحب هذه النظرية أن الموظفين يعملون بشكل أكبر إذا ما كانوا يريدون تحقيق إنجاز معين، بمعنى أن الموظفين يصبحون أكثر حماساً مع المهام التي يعرفون أن إنجازها يستحق الإشادة ويفضلون المهام التي تتسم بالصعوبة شيئاً ما، بحيث تكون نتيجة العمل بجهد الموظف ولها قيمة تستحق ردود الأفعال.
الانتماء Affiliation: في هذه الجزئية يرى "ماكليلاند" أن الانتماء لمؤسسة ما يشجع الموظف بشكل أفضل، حيث يعتبر نفسه جزءاً من المنظومة الكاملة للمؤسسة وهذا يدفع الموظف إلى بذل جهد أكبر كونه يستمتع بعمله بفضل العلاقات الاجتماعية بينه وبين المؤسسة ففي هذه الحالة الموظف يشعر بالحب والانتماء لهذه المنظومة.
السلطة/القوة Power: دوافع القوة تعد حافزاً من الحوافز التي تشجع الموظف على بذل جهد أكبر، إذا ما أراد التأثير على بقية الموظفين بفعل عمله وفي هذه الحالة يدرك الموظفون أنه إذا ما أراد شخص ما أن يفوز أو ينجح، فعلى الشخص الآخر أن يخسر أو يفشل وهذا دافع في حد ذاته للموظفين كي لا يخسر أحد ما مكانه.
ونظرية الحاجات هذه لا تتبنى بشكل دقيق تصنيف جميع الموظفين في هذه الخانات الثلاث وبدلاً من ذلك، تؤكد أن جميع الناس تحفزهم هذه العوامل بدرجات متفاوتة.
النظريات العلمية Process-Based Theory
على خلاف نظريات الحاجة التي تم ذكرها سابقاً ترى نظريات العملية أن الدوافع عملية عقلانية ومن أبرز هذه النظريات نذكر على وجه السرعة.
نظرية الإنصاف: يذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن العاملين يقيمون أداءهم حسب الإنصاف العادل بمعنى أن الموظف يقيس تعامل الإدارة معه مع تعاملها مع باقي الموظفين العاملين في مجاله وتخصصه، فالمعاملة العادلة تحفز العاملين بشكل أفضل للحفاظ على عملهم دونما مشاكل. ونشير هنا إلى أن المعاملة العادلة تأخذ في الاعتبار المدخلات والمخرجات على حد سواء.
المدخلات Inputs: وهي ما يقدمه الموظف للمؤسسة التي يعمل بها.
المخرجات Outcomes: وهي ما يتحصل عليه الموظف من المؤسسة سواء كان ملموساً (الراتب) أو غير ملموس (الإشادة).
ولكي نفهم دور النظرية يجب علينا سياقة هذا المثال، يعمل زيد وعمر في مؤسسة واحدة يعملان في مجال متشابه إلى حد بعيد، يلاحظ زيد أن عمراً يتقاضى راتباً شهرياً يزيد عن 250 ألف بينما يتقاضى هو راتباً لا يزيد على 200 ألف! في هذه الحالة سيكون زيد أقل رضى، فهو يرى أن المؤسسة لا تعامله مثل ما تعامل عمراً. بعد فترة يدرك زيد أن عمراً يعمل 8 ساعات لليوم بدلاً من 6 ساعات كعمله هو، هنا يصبح شعور زيد أفضل نظراً للتوزيع العادل فما يقدمه عمر للمؤسسة أكثر مما يقدمه هو وبالتالي من الإنصاف أن لا يتقاضى مثل ما يتقاضى عمراً.
فالموظف يقيس أداءه بأداء زملائه ولو في مؤسسة أخرى كي يشعر بالرضى عن عمله، وهذا يفرض على المؤسسات الاهتمام بهذه الجوانب في تعاملها مع موظفيها.
نظرية التوقع Expectancy Theory
تذهب هذه النظرية إلى أن الموظفين يعتقدون فعل عمل معين بناء على تجارب سابقة والثقة النفسية، هذا العمل من المحتمل أن يتحصلوا على مكافآت معينة نتيجة لهذا العمل قد تكون هذه النتيجة ترقية الموظف أو زيادة راتبه أو الاعتراف وبالتالي هو يتوقع مكافأة معينة وعليه أن يعمل بشكل أفضل كمضاعفة ساعات العمل.
ومن المهم جداً بالنسبة للمدراء الاطلاع على هذه الثقافات وهذه المعلومات خشية سوء فهم الموظفين وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى تلاشي الحافز لدى الموظف.
نظرية إكس Theory X
ينظر "دوغلاس" صاحب هذه النظرية إلى الموظفين من منظور مختلف تماماً لما سبقه من نظريات حيث يرى أن المدير يجب أن يكون لموقفه تأثيراً قوياً على تحفيز الموظفين وتفترض هذه النظرية:
* الموظفون يدركون أن العمل نقتبس (distasteful) "ممل للغاية" وسيحاولون تجنبه بأي طريقة يمكنهم فعلها.
* كثير من الموظفين لا يمتلكون أي طموح وبالتالي لا يرغبون في تحمل أي مسؤولية.
* معظم الموظفين لديهم القليل من الإبداع وليسوا مستعدين لحل المشكلات.
* معظم الموظفين يركزون على أنفسهم ونتيجة لذلك يجب التحكم فيهم بشكل مكثف وكثيراً ما يتم "إجبارهم" لتحقيق هدف معين.
ويواصل "دوغلاس" حديثه في نقد الموظفين حتى وصفهم بـ "السذاجة وعدم الذكاء (Are gullible and unintelligent)".
ويرى دوغلاس أن المصدر الأساسي لدوافع الموظفين هو النقد فالمقاربة الصعبة للتحفيز لدى هذه النظرية تتضمن الإكراه والتهديدات الضمنية والإدارة القوية والضوابط المتشددة.
والهدف الأساسي من هذه الإجراءات هو تعاون الموظفين مع الإدارة حالما طُلب منهم ذلك. وتذهب هذه النظرية إلى أن الحاجات ذات المستوى العالي لدى "ماسلو" (تحقيق الذات) غير موجودة كونها لا تعترف بها في مجال العمل.
نظرية واي Theory Y
وعلى النقيض مما سبق، ترى هذه النظرية أن الاحتياجات العليا (تحقيق الذات) هي أبرز العوامل نجاحاً في تحفيز الموظفين وترى:
* أنه يمكن أن يكون العمل طبيعياً تماماً مثل اللعب إذا وفرت له بيئة ملائمة.
* قد يصبح الموظفون "موجهون ذاتياً" ومبدعين إذا ما التزموا بأهدافهم.
* يصبح العامل أكثر حماساً ولديه رغبة كبيرة في تحقيق جودة عالية من الإنتاج إذا ما وفر له الجو المناسب (تحقيق الذات) مثلاً. وتقتضي نظرية Y إذا ما تم الالتزام بها أن تكون الإدارة أكثر لامركزية وبالتالي يحصل الموظف على بعض المهام "الإدارية" وهو ما يرفع ثقته بشكل أكبر. كما أن الإدارة تصبح أكثر انفتاحاً للتعامل مع الموظفين وتأخذ آراءهم وتستشيرهم في عملية صنع القرار.
نظرية أوتشي Theory Z
يتبنى "وليام أوتشي" هذه النظرية القائمة على أن الإدارة يتطلب منها مساعدة العمال ليصبحوا "أخصائيين" فالتناوب والتدريب المستمر يعتبران عاملاً قوياً في جعل الموظفين أكثر معرفة بالمؤسسة التي ينتمون لها، فضلاً عن فهم الموظفين العمليات الأكثر تعقيداً لدى المؤسسة ما يجعل العاملين أكثر تفانياً في عملهم وهو ما يعود غالباً بالنفع للمؤسسات. كما أن هذه الخطوة تعطي فرصة للموظف في تطوير مهاراته المهنية. تضيف هذه النظرية أن الموظفين يسعون لبناء علاقات حميمية مع زملائهم في العمل ولديهم رغبة في الانتماء كما أنهم يتوقعون من الإدارة أن تتعاون معهم ويقدرون بيئة العمل باعتبارها جزءاً من الحياة كالأسرة والثقافة والتقاليد.
ومن المفترض حسب هذه النظرية أن تمكن المؤسسة الموظف من التحكم غير الرسمي كنوع من أنواع المسؤولية الفردية كما تهتم برفاهية الموظفين وسعادتهم وخلق جو مناسب للموظفين.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النظرية متأثرة بالثقافة اليابانية التي تعامل الموظف كونه جزءاً لا يتجزأ من المؤسسة ولا تفكر المؤسسات اليابانية في التخلي عن موظفيها حتى في حالات الإفلاس الشديد.
هذه أبرز النظريات البارزة حول تعامل المؤسسات مع الموظفين وطرق التحفيز المختلفة التي تختلف من مؤسسة إلى أخرى بهدف الريادة والجودة...











